لم تبدأ حكاية روعة من النقطة التي انتهت إليها. روعة اسم مستعار اختارته امرأة في الرابعة والثلاثين من عمرها لحماية هويتها، ثم تحول، وفق قولها، إلى جزء من حياتها الجديدة وشبكة العلاقات التي بنتها خلال السنوات الماضية.
تروي روعة أن والدتها قُتلت عام 2011 بعد اختفائها قسرًا لأكثر من ثلاثة أسابيع، وأن والدها أصيب بجلطة إثر الصدمة. وجدت نفسها وشقيقتها أمام واقع أسري واقتصادي مختلف تمامًا. كانت روعة تدرس في كلية اللغات، بينما كانت شقيقتها قد قطعت شوطًا في دراسة الطب، فقررت ترك الجامعة والعمل لإعالة الأسرة ومساعدة شقيقتها على إتمام دراستها.
تنقلت بين وظائف عدة قبل أن تعمل في إحدى الشركات، وهناك، كما تقول، تعرفت إلى عالم المال والعلاقات والنفوذ. لم يكن راتبها كافيًا لتغطية نفقات المنزل وعلاج والدها والإيجار، وبدأت تتلقى عروضًا من رجال تعرفت إليهم في محيط عملها. اتخذت هذه العروض في البداية شكل هدايا ومساعدات مالية ودعوات اجتماعية، ثم تطورت إلى علاقات تقوم على الحصول على المال أو الامتيازات مقابل ما تصفه روعة بـ”الثمن”.
تقول إن انتقالها إلى هذه العلاقات حدث تدريجيًا مع تصاعد احتياجات أسرتها وتبدل البيئة الاجتماعية المحيطة بها. لكنها لم تبقَ في موقع المتلقية. فقد بدأت لاحقًا في بناء شبكة تصل بين رجال يملكون المال والنفوذ وفتيات يحتجن إلى الدعم أو تمويل مشروعاتهن، مقابل حصولها على نسب مالية أو نصيب من الهدايا والاستفادة من العلاقات التي تنشأ عن هذه الترتيبات. هكذا انتقلت من امرأة تبحث عن وسيلة لإعالة أسرتها إلى وسيطة داخل الشبكة نفسها.
تقود تجربة روعة إلى مصطلح “الشامخات”الذي بدأ تداوله في الخطاب الشعبي الليبي بعد عام 2011، والذي يُستخدم لوصف نساء انتقلن خلال فترة قصيرة إلى مستوى معيشي مرتفع، يظهر في امتلاك السيارات والمجوهرات والمشروعات التجارية، أو في الوصول إلى خدمات وامتيازات تبدو، وفق الصورة المتداولة، أكبر من مصادر دخلهن المعروفة.
يحمل المصطلح حكمًا أخلاقيًا أكثر مما يقدم تعريفًا اجتماعيًا أو اقتصاديًا واضحًا. فعادةً ما تتحول المرأة إلى موضع للوصم والمساءلة، بينما يظل أصحاب المال والنفوذ الذين يموّلون هذه العلاقات أو يوفرون الحماية لأطرافها بعيدين عن النقاش. كما يجمع الوصف نساءً ذوات تجارب ومصادر دخل مختلفة داخل صورة واحدة، من دون معلومات تتيح التحقق من ظروف كل حالة.
ترى عفاف الولوال، رئيسة منظمة “البيان” في طرابلس والمتخصصة في الدراسات الاجتماعية، أن غياب الدعم الفعلي للفئات المتضررة من الحرب، وفي مقدمتهن الفتيات، أسهم في زيادة هشاشة بعض النساء. وتربط ذلك بتراجع قدرة الأسرة على تقديم الرعاية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية، إلى جانب محدودية الدعم الذي توفره المؤسسات والمنظمات.
لا تجعل الظروف الاقتصادية الدخول في علاقات غير مشروعة نتيجة حتمية، لكنها قد تضيق الخيارات أمام امرأة تواجه مسؤوليات أسرية واحتياجات لا يغطيها دخلها. وفي حالة روعة، اجتمع فقدان الأم ومرض الأب وغياب مساندة العائلة مع ضعف الأجر وارتفاع نفقات العلاج والمعيشة، لتصبح عروض المال والمساعدة مدخلًا إلى عالم لم تكن جزءًا منه من قبل.
وتشير الولوال إلى أن بعض النساء اللواتي يتعرضن للاستغلال قد لا يجدن الحماية حتى لدى الجهات المفترض أن تلجأن إليها، بما يعمق فقدان الثقة بالمؤسسات ويدفعهن إلى البحث عن حماية خارج الأطر الرسمية. عند هذه النقطة لا تعود العلاقة مقتصرة على المال، بل تتحول المعرفة بأصحاب النفوذ والقدرة على الوصول إليهم إلى وسيلة لتسهيل الأعمال وتجاوز العقبات وتأمين المصالح.
وتصف خديجة المهدي، المدافعة عن حقوق الإنسان والعضوة في شبكة “رائدات” التابعة لمكتب المرأة في بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هذا القصور بأنه أحد أشكال “العنف البنيوي”. وهي تشير بذلك إلى الحرمان الناتج عن مؤسسات وأنظمة وإجراءات يفترض أن توفر الخدمة والحماية، لكنها تعرقل، في بعض الحالات، وصول النساء إلى حقوقهن وفرصهن.
وتوسع المهدي أثر هذه الظروف ليشمل بعض النساء المتزوجات اللواتي يواجهن العنف المنزلي أو الجنسي أو تقصير الزوج ماديًا، ويواصلن الحياة الزوجية حفاظًا على الأطفال والصورة الاجتماعية. وتشير إلى أن بعضهن قد يبحثن بالتوازي عن الدعم المادي أو العاطفي عبر علاقات خارج الزواج. وتقدم المهدي هذا باعتباره أحد المسارات المحتملة في حالات محددة، لا نتيجة حتمية للعنف أو تفسيرًا عامًا لهذه العلاقات.
وترى المهدي أن تراكم هذا القصور مع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع بعض النساء إلى بناء شبكات شخصية توفر المال والدعم والحماية. غير أن الدخول إلى هذه الشبكات بحثًا عن النجاة لا يعني بقاء المرأة في موقع الضحية. فقد تكتسب مع الوقت قدرة على التأثير في نساء أخريات واستقطابهن وإعادة إنتاج العلاقات التي استغلت حاجتها في البداية.
ينطبق هذا التحول على رواية روعة عن نفسها. فقد بدأت بتلقي الهدايا والمساعدات، ثم أصبحت قادرة على وصل أصحاب الأموال بفتيات يعشن ظروفًا مشابهة، والاستفادة ماديًا من هذه الصلات. وبذلك تحولت من امرأة تأثرت بغياب الحماية وضيق الخيارات إلى طرف يمتلك نفوذًا داخل شبكة قد تستغل حاجة نساء أخريات.
ومع ذلك، ترفض روعة اختزال حياتها في هذا الجانب وحده. تقول إنها خسرت دراستها وفرصة تأسيس الأسرة والحياة التي كانت تتخيلها لنفسها، لكنها استطاعت في المقابل تأمين احتياجات والدها وشقيقتها، ومساعدة الأخيرة على إتمام دراستها، وبناء مشروعها الخاص وتحقيق استقلال مالي. وترى أن المجتمع الذي لم يساعدها حين احتاجت إليه لا يملك اليوم حق محاكمتها.
لا تلغي هذه الرواية مسؤوليتها عن الدور الذي أصبحت تؤديه، كما لا تجعل ظروفها تبريرًا لاستغلال نساء أخريات. لكنها تضع هذه المسؤولية داخل سياق أوسع من الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية وضعف شبكات الحماية والقصور المؤسسي، إلى جانب صعود المال والعلاقات الشخصية وسيلتين للحصول على النفوذ والأمان.
وتكشف القصة أيضًا الخلل في النقاش العام حول “الشامخات”. فالأنظار تتركز عادةً على مظهر المرأة وسيارتها ومجوهراتها ومشروعها، بينما يغيب الرجال الذين يوفرون المال، وأصحاب النفوذ الذين يمنحون الحماية، والجهات التي تسمح باستمرار هذه الشبكات. تظهر النساء في نهاية المسار، في حين تبقى القوى التي تموله وتستفيد منه بعيدة عن المساءلة.
لا تصلح شهادة روعة وحدها دليلًا على وجود فئة اجتماعية متجانسة، كما لا تتوفر معلومات تسمح بتحديد حجم الظاهرة أو عدد النساء اللواتي ينطبق عليهن هذا الوصف. لكنها تكشف مسارًا قد تبدأ فيه المرأة باحثة عن وسيلة للبقاء، ثم تكتسب داخل شبكة المال والنفوذ قدرة على إعادة إنتاج المنظومة التي دخلتها تحت ضغط الحاجة.
لهذا لا يمكن وضع روعة بصورة كاملة في موقع الضحية أو الجلاد. فقد تشكلت تجربتها داخل ظروف لم تختر معظمها، لكنها اتخذت لاحقًا قرارات جعلتها طرفًا فاعلًا في حياة نساء أخريات. وبين الموقعين تظهر منظومة أوسع تمنح المال القدرة على شراء العلاقات، وتحول العلاقات إلى حماية ونفوذ، ثم تترك النساء وحدهن في واجهة الإدانة الاجتماعية.