دروج Drooj

بدائل التطهير ومواجهة أزمة تلوث المياه: رؤية فنية للباحثة الجيولوجية ياسمين الأحمر

في ظل تداول نتائج تحليل مقلقة لمصدر مياه جوفية، أظهرت وجودًا مرتفعًا لبكتيريا القولون، نعيد فتح التساؤلات حول سلامة المياه، حيث تواجه صحة المجتمع اليوم تحديا متزايدا بسبب تدهور جودة المياه. تحذر الباحثة الجيولوجية ياسمين الأحمر من أن هذا التدهور التدريجي يهدد بظهور أمراض مزمنة ومعقدة على المدى البعيد. وتعتبر قضية التلوث الميكروبي والكيميائي هاجسا يؤرق الكثيرين، خصوصا في ظل غياب التحرك الرسمي لمعالجة الأزمة، وتفاقم العوامل الجيولوجية مثل تداخل مياه البحر والتوسع العمراني العشوائي، بالإضافة إلى مخاطر تسرب الوقود من المحطات التي تفتقر لآبار المراقبة، مما يجعل الخزانات الجوفية الهشة في مواجهة مخاطر متزايدة.

وفي حديثها لدروج، تؤكد ياسمين الأحمر أن المنطق يفرض وضع الأمان الميكروبيولوجي قبل النقاء الكيميائي، فإذا كانت منظومات تنقية المياه المعروفة بالـ (RO) مكلفة وفوق الاستطاعة، فإن التعقيم بأقل التكاليف لمواجهة البكتيريا كخطر مباشر لا يزال ممكنا. إن الغلي المستمر يظل الطريقة الأضمن لقتل بكتيريا القولون، بشرط وصول الماء لدرجة الغليان الشديد لمدة دقيقة كاملة. والأسلوب الآخر هو استخدام الكلور المنزلي التقليدي غير المعطر، بإضافة حوالي 2 ملل (نصف ملعقة صغيرة) بنسبة تركيز 5% لكل 20 لترا من الماء، مع خلطها جيدا وتركها لمدة 30 دقيقة قبل الاستخدام لضمان قتل الميكروبات. ومع أن هذه الطرق تقتل الجراثيم، إلا أنها لا تزيل الأملاح أو المعادن الثقيلة.

وفي المناطق التي ثبت فيها تلوث الآبار بالصرف الصحي، تنصح الباحثة بضرورة فصل خط الشرب تماما واللجوء لمياه الصهاريج كبديل، بشرط التأكد من مصدرها ونظافة الخزان، مع التأكيد على تنظيف وتطهير “ماجن” البيت بالكلور دوريا لمنع التلوث الداخلي. أما لمن يملكون منظومات تنقية، فتنبه الباحثة إلى ضرورة الالتزام بجدول زمني صارم للصيانة، لأن إهمال الفلتر يحوله من مطهر إلى “مستعمرة بكتيرية”. وبسبب زيادة الشوائب في البيئة المحلية، تشدد ياسمين على ضرورة تغيير الشمعة الأولى (القطنية) كل شهر إلى 3 أشهر، والشمعات الكربونية كل 6 أشهر، بينما يحتاج “الممبرين” للتغيير كل سنة إلى سنتين. كما تحذر من التهاون في وحدة الـ UV، إذ يجب تغيير المصباح سنويا (بعد 9000 ساعة عمل تقريبا) حتى لو ظل مضيئا، لأن قدرته على قتل البكتيريا تضعف بمرور الوقت.

كما حددت الباحثة علامات تحذيرية تستوجب التوقف فورا عن استخدام الماء دون انتظار التحليل، وهي: انبعاث رائحة “بيض فاسد” أو رائحة مجاري، ظهور رغوة غير طبيعية (تدل على تسرب المنظفات)، تغير الطعم لملوحة مفاجئة (قد يدل على تداخل مياه البحر أو ارتفاع الأملاح الذائبة)، أو طعم غير طبيعي قد يرتبط بملوثات مثل النترات، أو وجود كدرة واصفرار لا يزول بالتشغيل.

والحقيقة أن خطر المياه الملوثة لا يتوقف عند الشرب فقط، بل يمتد ليشمل كافة تفاصيل الحياة اليومية، فعندما تصل الملوثات لمستويات عالية جدا من البكتيريا (تفوق القدرة على العد في التحاليل المخبرية)، قد يشكل الاستحمام بها خطرا صحيا خاصة للأطفال وكبار السن، حيث يمكن أن تدخل بعض الميكروبات عبر الأغشية المخاطية (العين، الأنف) أو الجروح السطحية مسببة التهابات جلدية ومعوية. كما أن استخدام هذه المياه في الغسيل أو ري الخضروات التي تؤكل نيئة يمثل خطرا صحيا، لأن البكتيريا قد تلتصق بها ولا تزول بالغسل البسيط، وحتى الأواني إن لم يتم شطفها بماء معقم أو تجفيفها في الشمس، قد تنقل البكتيريا للأكل.

أما عن معالجة جذور المشكلة، فإن الاستمرار في استخدام الآبار السوداء النفاذة يفاقم المشكلة بتسريب الملوثات للمياه الجوفية. والحل الفني لتقليل هذه المخاطر، بحسب ياسمين، هو تحويلها إلى خزان مصمت (Cesspool) عبر “تلييس” الجدران والقاع بخلطة إسمنتية عازلة أو استخدام البيتومين لمنع التسريب. كما تبرز تقنية تبطين الآبار بمواسير (PVC) والأسمنت كخيار يمنع تداخل الطبقات الملوثة مع طبقة سحب الماء، رغم كلفته العالية وحاجته لمتخصصين.

وتؤكد الباحثة أن حماية الصحة العامة تبدأ من الرقابة الواعية التي تقع في متناول يد كل شخص، فاستخدام شرائط الفحص السريعة (Test Strips) يعد خطوة بسيطة وميسورة لإعطاء إنذار أولي عن الكلور والنترات والقلوية. ومع ذلك، تشير إلى أن هذه الخطوة لا تغني عن فحص المختبر الدوري كل 6 أشهر كإجراء أساسي لكشف التلوث البكتيري، مع ضرورة إجراء الفحص خلال مدة لا تتجاوز 24 إلى 48 ساعة من سحب العينة، لضمان نتائج دقيقة تعكس الواقع وتتجنب الأرقام المضللة التي قد تنتج عن نمو البكتيريا داخل العينة إذا تأخر فحصها.

Share This Article

منشورات ذات صلة

في عالم أصبحت فيه المعرفة واحدة من أهم مصادر القوة الاقتصادية والتقدم الحضاري، لم يعد البحث العلمي شأنًا…

في مقطع فيديو شاهدته أيام حرب طرابلس، ولا أذكر لو كان ذلك في 2019 أم 2020، كان رجل…

منى توكا في حوار مع الدكتور سالم قرصدي في طريقٍ قادني مؤخرًا إلى مدينة الكاف، في أقصى الشمال…

في وصف أسمرا، يثني الراوي جماليًا على تحويل الإيطاليين المدينة إلى جنة ما. هنا ينطلق توكوابو مع رفقائه…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.