دروج Drooj

“رجالُ دين” يقفزون على آلام مرضانا

يسلط اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي يصادف 10 أكتوبر، الضوء على تأثيرات النزاعات والتوترات المتواصلة على الشخصية الليبية، التي عانت من ضغوط متعددة تمثل تبعات الصراع، وتتوزع بين ضغوطات اجتماعية واقتصادية.

وقد شهد المجتمع الليبي في السنوات الأخيرة انتشارًا لافتًا لتصرفات غير سوية وحوادث عنيفة تكررت بشكل ملحوظ، لاسيما جرائم القتل داخل العائلة، وجرائم القتل السادية، وإطلاق الأعيرة النارية فوق رؤوس المواطنين وترويعهم في حالة انتشاء تبرز نواحي مرضية خطيرة في شخصيات الفاعلين.

وفي تعامل المجتمع الليبي مع انتشار هذه التصرفات النفسية، تسيطر روايات السحر والشعوذة على السرديات العامة، والتي تمثل في الغالب تبريرًا جاهزًا يُقدَّم لاستيعاب العلل النفسية والتهرب من مواجهتها.

يعود ركون المجتمع إلى سرديات السحر والشعوذة أساسًا لغياب الوعي بالمرض النفسي، إلى جانب الخجل الاجتماعي والوصمة الناتجة عن تحمل تبعات بعض التصرفات والاضطرابات، لتأتي عوالم الغيبيات كسردية وبضاعة جاهزة للتصدير الاجتماعي.

والأدهى أن روايات السحر والشعوذة باتت تحظى بدعم حكومي وغطاء قانوني عقب اعتماد “قانون مكافحة السحر والشعوذة” من مجلس النواب، كما تمثل حملة “حصين” أحد أبرز أدوات استفحال تجارة الوهم في مجتمعنا، حيث يتقافز موظفو هيئة الأوقاف بين المقابر، والمنازل، وأراضي القفر لاستخراج العلامات الدالة على ما يصفونه بـ”السحر الأسود”، المسؤول في العرف المؤسسي الراهن عن هندسة الأزمات الليبية كافة، بدءًا من حالات الطلاق وفشل الأبناء الدراسي، وصولًا إلى تبرير انهيار الخدمات العامة وتقلبات أسعار الصرف.

أنتج هذا التحالف السريالي بين الخرافة والسلطة توليفة مرعبة من “الحصانة الغيبية” للمجرمين، فبموجب هذه السردية المقننة، يُعفى القاتل من المحاسبة على جريمته، وتتحول الواقعة الجنائية من موضوع للمساءلة القانونية والتشخيص النفسي، إلى مجرد معركة ميتافيزيقية بين راقٍ شرعي وجنّ عاشق عنيد.

وفي الوقت الذي تُرصد فيه الميزانيات المالية لتجهيز حملات ملاحقة الجن وتوفير مستلزمات خبراء الرُقية، تعيش المصحات النفسية أزمة دوائية مزمنة تحرم المرضى من أبسط حقوقهم العلاجية، حيث تشير تقارير محلية متطابقة إلى انهيار القطاع والنقص الحاد في العقاقير التخصصية ومضادات الذهان الذي يدفع بالمرضى قسرًا نحو الانتكاس أو التوقف عن العلاج.

وفي تصريح سابق لوكالة الأنباء الليبية، تؤكد مديرة الصيدلية الخاصة بمستشفى الرازي للأمراض النفسية بطرابلس، الدكتورة هدى محمد شميلة، أن المستشفى يواجه نقصًا مستمرًا في أدوية الطوارئ منذ سنوات، بل إن عقاقير أساسية ومهمة في البرتوكولات العلاجية، مثل دواء (الاميكتون)، لم تدخل المستشفى منذ عام 2011.

ونتيجة لهذا الواقع، تجد الصيدلية الحكومية نفسها مجبرة على صرف الأدوية وفق المتوفر، مما يدفع الأهالي إلى الاتجاه للقطاع الخاص والسوق الموازية، ليصطدموا بأسعار فلكية لعقاقير غالبًا ما تكون مهربة ولا تخضع لرقابة.

وتتركّز خطورة نَسب الأمراض النفسية إلى أفعال السحر والشعوذة في تهديدها بتفاقم الحالات النفسية وتأثيراتها الكارثية على المجتمع، خاصة بعد أن شهدت منطقة “الدريبي” في سبتمبر الماضي حادثة طعن شاب لشقيقته حتى الموت، كما شهدت منطقة “الهواري” ببنغازي في أكتوبر 2025 حادثة مروعة قتل فيها أب أبناءه السبعة قبل أن ينتحر. ورغم بشاعة الواقع، تتعدد القصص والحوادث التي تُنسب جميعها بغرابة للجن وأفعال السحر والمس، في محاولة لطمس الحقيقة الطبية.

Share This Article

منشورات ذات صلة

تجددت في يفرن احتجاجات مواطنين على خلفية قيام إحدى الشركات بالتخلص من نفايات نفطية في منطقة وادي الأثل،…

يسلط اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي يصادف 10 أكتوبر، الضوء على تأثيرات النزاعات والتوترات المتواصلة على الشخصية الليبية،…

تعود إلى الواجهة المادة 424 من قانون العقوبات الليبي، والتي تتيح للجاني في جريمة الاغتصاب الإفلات من العقاب…

لا يُقاس عمق الأزمة السياسية في المجتمعات المأزومة بحجم الانسداد في أروقة الحكم أو تبعثر المفاوضات بين الفرقاء…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.