تعود إلى الواجهة المادة 424 من قانون العقوبات الليبي، والتي تتيح للجاني في جريمة الاغتصاب الإفلات من العقاب إذا تزوج من ضحيته، حيث تُسقط المادة جريمة الاغتصاب وتوقف تنفيذ العقوبة إذا تزوج الجاني من المعتدى عليها، وسط دعوات حقوقية لإلغائها.
المادة (424) – سقوط الجريمة أو وقف تنفيذ العقوبة:
“إذا عقد الفاعل زواجه على المعتدى عليها تسقط الجريمة والعقوبة وتنتهي الآثار الجنائية سواء بالنسبة للفاعل أو الشركاء، وذلك ما دام قانون الأحوال الشخصية للجاني لا يخول الطلاق أو التطليق.
فإذا كان القانون المذكور يخول ذلك، وقف تنفيذ العقوبة أو الإجراءات الجنائية، ويزول الوقف وتستأنف العقوبة أو الإجراءات إذا طلق الجاني زوجته دون سبب مشروع قبل انقضاء ثلاث سنوات على ارتكاب الفعل، أو إذا حكم بتطليق الزوجة لصالحها نتيجة لتضررها منه خلال المدة المذكورة.
ألغت دول عربية أحكامًا مماثلة منها تونس ولبنان والأردن والمغرب امتثالًا لضغوط وحملات حقوقية وشعبية مدافعة عن حقوق الضحايا، إلا أن ليبيا ظلت بعيدة عن قطار التغيير التشريعي، وهو ما قد لا يعود لقناعة بأهمية هذا النص بقدر كونه جزء من أزمة عامة تعيشها التشريعات الليبية -وعلى رأسها قانون الأحوال الشخصية- التي لم تعدل منذ عقود، وتعاني من تحجّر وتشريع متهالك دون أي تعديلات تواكب المفاهيم الحديثة لحقوق الإنسان وحماية المرأة.
يعزو قانونيون وحقوقيون وجود هذا النص إلى رغبة قديمة من المشرّع في مجاراة عقلية مجتمعية تقدم سمعة العائلة على حساب بشاعة جريمة الاغتصاب، واختزال الجريمة في أبعادها القبلية المرتبطة بالعذرية والشرف، لا في أبعادها الإنسانية والجنائية. هذا التوجه جعل القانون متواطئًا في شرعنة الجريمة؛ إذ اختصر خيارات حماية الضحية من عنف عائلتها في تسليمها للمعتدي، بدلًا من توفير بيئة قانونية تحميها وتعاقب الجاني، ليتحول النص القانوني إلى أداة تشرعن اغتصابًا ثانيًا ومستمرًا للضحية.
هذا التحجّر القانوني بات يصطدم اليوم بوعي مجتمعي متسع يرفض المقايضة بكرامة الضحايا، فلم يعد بقاء هذا النص مستساغًا لكونه لا يكتفي بإفلات المجرم من العقاب، بل يشرعن الجريمة ويصبغ عليها غطاءً قانونيًا، متغافلًا عن الأذى النفسي العميق الذي يلحق بالمرأة، ومختصرًا وجودها الكامل في جسد جُرّد من أهليته وحقوقه الإنسانية.
ورغم تصاعد الدعوات لتغيير النص وحماية حقوق ضحايا الاغتصاب، لم تظهر أي محاولات تشريعية أو مقترحات جدية للعدول عن هذا التوجه، لاسيما وأن دولًا في منطقتنا قطعت أشواطًا لا بأس بها في ترسيخ حقوق المرأة والقطيعة مع عقلية الوصاية القهرية.
تظل ثقافة الفضيحة والخوف على شرف العائلة أبرز التحديات الموروثة التي تواجه المرأة في المجتمع الليبي، وهي ثقافة تستهدف المرأة في كل خصوصياتها، ما يضيق خياراتها الشخصية ويجعلها فريسة لتشريعات يتم تفصيلها بناءً على أفكار مجتمعية بالية.
المعركة التشريعية في ليبيا تسبقها معركة وعي مجتمعي مأزوم، يختزل المرأة في حيز بيولوجي واجتماعي ضيق الحال والأفق، ويربط السمعة بحسابات العذرية، ويبرر للذكر سلطة السطو على الحقوق الشخصية للمرأة بكل حجج الدنيا مجتمعة.