منصور عاطي: منظورنا للأخلاق بين الوقائع والطبائع
عندما لا يثير حفيظتكم أخٌ قتل أخته، بينما تثير غرائزكم صورة أخٍ يلعب مع أخته، فاعلموا أن العطب ليس في الوقائع، بل في الطبائع.
نحاول في هذا المقال تفكيك الأسباب التي تقود إلى هذا التناقض الصارخ، ذاك الذي أصاب منظومتنا القيمية في مقتل، وجعل النظر إلى المسألة من زوايا متعددة لا يفضي إلا إلى هوة سحيقة، كبئر بلا ماء. فكيف يستقيم أن نجرّم فعلًا بريئًا في أساسه، كرقص أخ مع أخته، فيما نبرّر القتل والتعذيب والعنف، ونلبسها تارة لبوس العفّة والشرف، وتارة أخرى لبوس السحر والخصوصية؟
فرغم أن القتل يُعدّ جريمة كبرى على المستويين الديني والقانوني، فإنه يبدو مفهومًا ومتوقعًا في مجتمع قائم على نظام سلطوي، من قمة الهرم السياسي حتى داخل العائلة. ومن هنا يمكن فهم عدم غضب المجتمع من قتل أخٍ لأخته، لأن ذلك يُعدّ امتدادًا طبيعيًا للعنف الأسري، وتجسيدًا لروح الشراكة الذكورية التي يمارسها المجتمع سرًّا من أجل الحفاظ على سلطته الأخلاقية المزعومة.
لقد جرى التطبيع مع هذا الفعل حتى أصبح مستساغًا في العقل الجمعي. لذلك نرى التبريرات تنهال من كل صوب، وتبرز الخصوصية باعتبارها مطلبًا ملحًّا لحفظ “شرف العائلة”، ذلك الشرف الذي يبدو أنه لا يُصان إلا على جثث النساء. وفي المقابل، لا نجد معايير مماثلة لشرف الرجل، يمكن أن يُحاسب نفسه ويحاسبه الآخرون على أساسها، أو يستحق العقاب عند الإخلال بها.
في الجهة الأخرى، نجد مشهدًا بريئًا، عفويًا، جمع أخًا وأخته في لحظة فرح خالصة. شاركا الناس تلك اللحظة ظنًّا منهما أنهما يشاركان فرحتهما مع مجتمع لا يختلف كثيرًا عن مخيلتهما البريئة، لكنهما فوجئا بحملة شرسة تقودها غرائز وطباع، أشبه بقطيع يندفع لنهش ما تبقّى من البراءة على صفحات التواصل الاجتماعي. كان المشهد مهرجانًا حافلًا بالمزايدات والاستشراف والادعاءات الرخيصة.
غير أن ردّ الفعل هذا، في أصله ومردّه، يكشف ما هو أبعد من مجرد الدفاع عن الأخلاق أو العادات. إنه، في جوهره، استجابة نفسية لمشهد يكسر الصورة النمطية للعلاقة بين الرجل والمرأة، من خلال رابطة أربكت أصحاب التهم الجاهزة. لذلك تجد كثيرين يبدؤون تعليقهم بعبارة: “حتى لو كانوا إخوة”، في إشارة واضحة إلى أن رفضهم ليس للفعل من حيث حلاله وحرامه، بل للسلوك الطبيعي الذي يربك هيمنة الرجل، ويظهره في صورة مختلفة يلهو فيها مع أخته، لا متعالٍ عليها ولا منفصل عنها بسور من التجهّم والارتياب.
ما يحدث، في الحقيقة، هو محاولة للمحافظة على تلك المساحة الفاصلة التي بُنيت عبر عقود من الجهل والتخلف والفتاوى والمعتقدات الاجتماعية التي أصبحت، في كثير من الأحيان، أقوى من النص الديني نفسه. إنها معركة كسر الصورة الرمزية في مواجهة من يريدون الإبقاء عليها؛ معركة ضد خضوعٍ تحوّل إلى آلية سلطوية لا تسمح بإرباك المخيال الجمعي الذكوري أو المساس بهويته المتصلبة.
هذا تحديدًا ما أثار حفيظة كل من عارض الفعل. فهم يحاولون مداواة هزيمتهم عبر الهجوم على مشهد طبيعي هدّد تلك السلطة الخفية التي لا يملكها المجتمع الذكوري إلا لإثبات تفوقه وأحقيته. فإذا انهارت هذه الصورة، انكشف للجميع أن المسألة ليست مسألة أخلاق بقدر ما هي مسألة فرض نفوذ وهيمنة.
ولعل هذه الواقعة لم تُسقط القناع الاجتماعي فحسب، بل كشفت أيضًا هشاشة المنظومة الإدارية السلطوية التي تقف خلفه. ومن هنا يمكن تتبّع الصدمة منذ بدايتها. فبعد موجة السباب والتجريم التي طالت الأخوين، كان متوقعًا أن يخرجا ببيان اعتذار عمّا فعلاه، فتنتصر الحملة في هدفها الأساسي، وهو تجريم الأفعال الطبيعية وشيطنتها. غير أن الأخوين كانا على قدر الفعل والمسؤولية، فظهرا في بيان شجاع، لا يحمل أي نبرة خوف أو شعور بالذنب، بل أظهرا وعيًا واضحًا، وواجها تلك الأصوات بثقة كاملة.
وحده هذا الموقف كان كافيًا لإحداث صدمة وهزة لا بدّ منهما في سبيل تفكيك مفهوم العائلة، وإعادة النظر في علاقة الذكر بالأنثى داخل سياقها الإنساني الخالي من العقد المكبوتة التي تثقل وعينا الجمعي. لقد بدا ذلك البيان كأنه صرخة وعي من جيل جديد، يقول إن المفاهيم لا بد أن يعاد تفسيرها وتعريفها وفهمها، وإن العلاقات بدورها ينبغي أن تخضع لتحول التاريخ، وأن يعاد تشكيلها وفق مشاعر ووعي وثقافة الأجيال القادمة. فنحن، في النهاية، لا نملك حق تقرير مصير من سيأتون بعدنا، وهي مسؤوليتهم الخاصة، بينما نحن، وفق الوقائع، فشلنا في هذه المهمة فشلًا مخجلًا.
في الجانب الآخر، وتحت وطأة الشعبوية، ظهر وزير التعليم في واحد من أول قراراته المصيرية ليلتحق بركب المزايدة، ويصدر قرارًا بالفصل بين الجنسين. لم يأت القرار إجراءً إداريًا أو تنظيميًا، بل تعبيرًا عن قلق أخلاقي صادر عن مواطن يحمل صفة وزير. هو الآخر يريد أن يحمي “المنظومة الأخلاقية”، بعدما اكتشف، على ما يبدو، أن الأخلاق هي الطريق الأسهل إلى التوظيف السياسي.
لكننا، في المقابل، لا نرى قرارات جدية لمواجهة التحرش أو العنف المدرسي. وهذا أمر مفهوم داخل بنية قمعية تفضّل استمرار النظام عبر ترسيخ قواعده الذكورية، وترى في كل فعل يهزّ هذا النظام تهديدًا حقيقيًا. تهديدًا يبلغ حد إصدار قرار بفصل الجنسين من دون دراسة لعواقبه، داخل نظام صُمّم أصلًا على التعليم المشترك، وفي ظل نقص في أعداد المعلمين والمعلمات. فكيف سيتحقق، عندئذ، توفير عادل للفرص والإمكانات والموارد؟
الوزير لا يبدو أكثر من “بلوقر” آخر، يرى الأمور من زاوية “العيب” وليس من منظور علمي أو بحثي أو مؤسسي. إنه خيبة جديدة من خيباتنا المتتالية، لكنها هذه المرة في هيئة مسؤول استعراضي، مهمته إرضاء الجمهور، وإزاحة المشكلة من موضعها الحقيقي، وتحويلها إلى قضية مؤسساتية زائفة. وهو في الأغلب لا يدرك بعد ما يختبئ تحت رماد وزارته من نار.
فالوصاية الأخلاقية لا تعفي من المسؤوليات، لكنها تمنح صاحبها مساحة للمناورة وتمييع الإشكال، وتنقل الاهتمام من مشكلات حقيقية داخل المؤسسة التعليمية إلى مشكلة وهمية يصنع لها عدوًا اسمه “الانحلال”. وهذا العدو الفزّاعة سيواصل مرافقتنا في المرحلة المقبلة؛ فكلما تحدثنا عن الكتاب المدرسي أو العنف المدرسي، سيخرج لنا وزير العازة من حقيبته قرار شعبوي يذكّرنا بأنه حامي المؤسسة التعليمية من العلم والمعرفة، لصالح الجهل والتخلف.
ولهذا لم يشأ أن يفتح نقاشًا علميًا بين الطلبة ومعلميهم حول هذه المسائل، بل فضّل بناء سور بين الذكور والإناث بحجة العفّة. وهذا يكشف بوضوح غياب منهج أخلاقي حقيقي، يقوم على النقاش والعدالة بين الجنسين. وحتى ذلك الحين، ليس أمامنا إلا أن نستمر في هدم هذه الأسوار بالكلمات والأفعال. فكل ما نراه اليوم ليس سوى نتيجة طبيعية لمواجهة المجتمع بعيوبه على نطاق واسع، وهذا بالتحديد ما لا يريد المجتمع أن يراه.


