دروج Drooj

مرّة أخرى، باغتَ المطر حكوماتنا

خلال العامين الماضيين، تكررت موجات الأمطار الغزيرة في مناطق مختلفة، من العاصمة طرابلس إلى غات وأوباري وتاهالا وغيرها. ومع كل موجة، تتكرر التحذيرات، ثم تتكرر معها مشاهد تجمّع المياه وانقطاع الطرق وتضرر المنازل والمنشآت والخدمات.

في مايو 2026، أظهرت فيضانات الجنوب الغربي أن المشكلة لا تتوقف عند الأضرار المباشرة. فقد تسببت السيول في نزوح عشرات الأسر، وأثرت في الكهرباء والاتصالات ومصادر المياه، فيما دعت التقييمات الإنسانية إلى الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى الحد من مخاطر الكوارث، وتعزيز الإنذار المبكر والبنية التحتية القادرة على مقاومة الفيضانات والسيول.

وفي سبتمبر كذلك، عادت التحذيرات من أمطار رعدية غزيرة وسيول محتملة في مناطق واسعة من غرب البلاد وجنوبها ووسطها.

المشهد متكرر بما يكفي كي لا يكون مفاجئًا! والتنبؤ بالأمطار لم يعد هو الحلقة المفقودة.

السؤال هنا: ماذا يحدث بعد صدور التحذير؟

لا تكفي النشرة الجوية لإدارة الفيضان؛ فالمعلومة لا تصبح حماية إلا إذا تحولت إلى إجراء واضح: إغلاق طريق معرض للخطر، حماية منشأة حيوية، تجهيز فرق الإنقاذ، وإيصال التحذير إلى السكان.

وهنا تتقاطع مسؤوليات الأرصاد والبلديات والطوارئ والإنقاذ والمياه والطرق والصحة والكهرباء. غير أن تعدد الجهات لا يصنع منظومة ما لم تتوافر خرائط مشتركة للمخاطر، وقواعد بيانات، ومسؤوليات محددة، وقنوات اتصال فعالة.

وفي المناطق البعيدة، قد يؤدي إغلاق طريق أو انقطاع الاتصالات إلى عزل تجمعات سكانية وتأخير المساعدة. لذلك تُقاس الجاهزية بقدرة فرق الإنقاذ والخدمات الصحية على الوصول في الوقت المناسب، لا بمجرد وجودها.

كانت كارثة درنة في سبتمبر 2023 اختبارًا قاسيًا لقدرة الدولة على إدارة المخاطر. وقدّرت التقييمات الدولية الأضرار والخسائر بنحو 1.65 مليار دولار، واحتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 1.8 مليار دولار. كل هذا بالإضافة إلى الفقد البشري الثقيل الذي لا تكفي مليارات الدنيا كلها لتعويضه.

لكن الكوارث البيئية تترك وراءها معرفة بحجم الخطر وأثره. وقيمة هذه المعرفة أن تتحول إلى إجراءات تمنع تكرار الخسائر. لذلك لا يكفي السؤال عما حدث في درنة، بل ما الذي تغيّر بعدها؟

هل أُعيد تقييم منظومة الطوارئ والسلامة العامة؟ هل توجد مراكز مجهزة للإسعاف والإنقاذ؟ وهل ترتبط بمنظومة قيادة وتحكم قادرة على تنسيق الاستجابة؟

وماذا عن المناطق الشاسعة؟ هل توجد قدرة على الإسعاف الجوي عندما تصبح الطرق عائقًا؟ وهل تتلقى فرق الإنقاذ تدريبًا منتظمًا على الكوارث الفعلية؟

ويمتد السؤال إلى الكوادر: هل يتوافر عدد كافٍ من الأطباء والمسعفين المدربين على طب الطوارئ والإسعاف السريع؟ وهل توجد فرق قادرة على التعامل مع الإصابات الجماعية والإخلاء والبحث والإنقاذ؟

الإعلام جزء من الاستجابة أيضًا؛ فالكارثة تحتاج إلى معلومات دقيقة تصل إلى السكان، وقدرة مهنية على التواصل محليًا ودوليًا وسط تدفق الشائعات.

كما يبقى التمويل مؤشرًا أساسيًا: هل توجد ميزانية مستمرة للطوارئ والكوارث، أم يتحرك الإنفاق أساسًا بعد وقوع الضرر؟

تحتاج ليبيا اليوم إلى خريطة وطنية للمخاطر المائية تحدد مسارات الأودية ومناطق تجمع المياه والنقاط الأكثر تعرضًا للفيضانات، بحيث تدخل هذه المعلومات في التخطيط العمراني وشق الطرق وتحديد مواقع المنشآت.

فالأضرار لا تنتج عن كمية المطر وحدها، وقد تكون مرتبطة أيضًا بموقع منشأة، أو ضعف التصريف، أو البناء في مسار مياه.

وإعادة بناء ما تضرر لا تعني إزالة أسباب الخطر. فإذا أُعيد بناء طريق أو منشأة في الموقع نفسه وبالمواصفات نفسها، من دون مراجعة مسار المياه وقدرة التصريف، فقد تعود المشكلة نفسها.

لذلك، ينبغي أن ترتبط مشاريع الإعمار بخرائط المخاطر، وأن تُراجع مواقع المنشآت الحيوية، وأن تتضمن مشاريع الطرق والجسور وشبكات التصريف معايير أكثر ملاءمة للمخاطر المحلية. كما يبقى السؤال العام مشروعًا:

أين ذهبت أموال الإعمار، وما الذي تغير فعليًا بعد إنفاقها؟

وفي بلد يعاني شحًا مائيًا ويعتمد بدرجة كبيرة على المياه الجوفية، لا ينبغي النظر إلى الأمطار باعتبارها مشكلة تصريف فقط؛ يمكن الاستفادة من حصاد مياه الأمطار في بعض المناطق، أو الحد من جريان السيول، أو تغذية المياه الجوفية، لكن ذلك يتطلب دراسات محلية للتربة ومسارات المياه وقدرة الخزانات الجوفية ومخاطر التلوث.

ليس كل المطر قابلًا للتخزين، ولا كل موقع مناسبًا لذلك، لكن إدارة المياه تقتضي معرفة أين تذهب مياه الأمطار وكيف يمكن الاستفادة منها.

ما نعوزه ليس مؤسسة جديدة، بل منظومة واحدة.

ملف المياه والمخاطر موزع بين جهات متعددة: أرصاد توفر المعلومات، بلديات تدير المدن والطرق، طوارئ تتولى الإنقاذ، وقطاعات المياه لتدير الموارد، فيما يرتبط تقليل المخاطر بالتخطيط العمراني والبنية التحتية.

لكن الماء لا يعرف هذه التقسيمات الإدارية.

يتوجب ربط هذه الملفات ضمن سياسة وطنية واحدة لإدارة مياه الأمطار ومخاطر الفيضانات، تتضمن خرائط مشتركة، ومسؤوليات واضحة، وتمويلًا للوقاية، ومعايير للبناء، وآليات لتقييم ما بعد الكوارث.

أزمتنا لم تعد في معرفة موعد المطر، بل في كيفية التصرف بمسؤولية حين يهطل.

Share This Article

منشورات ذات صلة

تجددت في يفرن احتجاجات مواطنين على خلفية قيام إحدى الشركات بالتخلص من نفايات نفطية في منطقة وادي الأثل،…

يسلط اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي يصادف 10 أكتوبر، الضوء على تأثيرات النزاعات والتوترات المتواصلة على الشخصية الليبية،…

تعود إلى الواجهة المادة 424 من قانون العقوبات الليبي، والتي تتيح للجاني في جريمة الاغتصاب الإفلات من العقاب…

لا يُقاس عمق الأزمة السياسية في المجتمعات المأزومة بحجم الانسداد في أروقة الحكم أو تبعثر المفاوضات بين الفرقاء…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.