دروج Drooj

المرأة في سياق الانسداد الليبي: “وعاء” للتنفيس الاجتماعي والسياسي

لا يُقاس عمق الأزمة السياسية في المجتمعات المأزومة بحجم الانسداد في أروقة الحكم أو تبعثر المفاوضات بين الفرقاء فحسب، بل يتجلّى أثرها أيضًا في التحولات السلوكية والسيكولوجية التي تصيب نسيج المجتمع نفسه. وفي المشهد الليبي الراهن، اتسعت رقعة العنف من الشارع والنزاعات على السلطة إلى المجالين العام والخاص، حتى كاد أن يمتزج بـ”نقي عظم” المجتمع، وتبدو النساء من أكثر الفئات تعرضًا له. وتشير بعض التقارير الحقوقية إلى ارتفاع مستويات العنف ضد المرأة، من دون أن تسمح المعطيات المتاحة محليًا بتحديد نسبٍ دقيقة وشاملة، ما يفتح الباب لقراءة الوضع في سياق أزمة تنفيس هيكلية ومأزق نفسي ومجتمعي مركب.

ولفهم ظاهرة اتساع رقعة العنف ضد المرأة في أوقات الأزمات الوطنية، يُمكن الاستناد إلى “نظرية الإحباط والعدوان” لعالم النفس الأمريكي جون دولارد. تنص هذه النظرية على أن الإحباط الناتج عن عجز الفرد عن تحقيق أهدافه الأساسية أو عن الحرمان المستمر قد يتولد عنه دافع للعدوان. وفي الحالة الليبية، قد يكون التدني التدريجي في المستويات الاجتماعية والاقتصادية، والناجم عن طول المخاض السياسي وانسداد آفاق الحل، قد أسهم في خلق حالة من العجز التراكمي لدى الفرد والمجتمع.

غير أن العدوان الناجم عن هذا الإحباط السياسي والاقتصادي قد لا يُوجّه عادة نحو المصدر الأصلي للتهديد، أي السلطات السياسية أو المجموعات المسلحة أو القوى الفاعلة في المشهد، بسبب التكلفة الباهظة لمواجهتها وخوف الفرد من البطش. هنا قد تتدخل آليات الدفاع النفسي عبر آلية “الإزاحة”، حيث يُحوَّل الغضب المكتوم من صانعي القرار إلى فئات يُفترض أنها أقل قدرة على المواجهة أو الرد.

يتكامل هذا الطرح مع أدبيات مصطفى حجازي في كتابه “سيكولوجية الإنسان المقهور”. فالمقهور الذي يعيش العجز أمام قوى مهيمنة عادة ما يبحث عن مساحة يستعيد فيها الإحساس بالسيطرة. وفي مجتمع تحكمه القوالب النمطية المتعلقة بالمرأة، قد يجد الرجل في المجال الأسري مساحة لممارسة هذه السيطرة على المرأة، التي تصبح هدفًا محتملًا لهذا التنفيس.

كما يسهم احتكار الذكور لمقاليد صناعة القرار وحراسة المؤسسات التشريعية والتنفيذية في إنتاج حالة من غياب الرادع القانوني. وتُظهر القراءة السوسيولوجية أن المجتمعات التي تعاني من هشاشة الدولة وانعدام الاستقرار الشامل قد تتميز بضعف التشريعات الحمائية، مما يجعل العنف ضد المرأة فعلًا قليل التكلفة.

ويمتد الأمر ليصل إلى توظيف ما يسميه علماء الاجتماع بـ”العنف الرمزي”، وهو العنف الذي يُمارس بآليات غير جسدية عبر فرض رؤى ومفاهيم تجعل الضغوط والقهر يبدوان أمرًا طبيعيًا أو حتى واجبًا أخلاقيًا. إذا يُستدعى “الغطاء الديني” والخطاب التقليدي كأداة لشرعنة الهيمنة الذكورية وتبرير تقييد حركة المرأة وحرياتها تحت مسميات حماية الفضيلة أو الخصوصية المجتمعية. حيث يعمل هذا الخطاب كغطاء أيديولوجي يُغلف العجز السياسي والاجتماعي، ويُعيد تأطير ممارسات القهر والتنفيس على أنها حماية للنظام العام والنسق الأخلاقي.

ومن منظور الأمان الجمعي، يصعب بناء عملية سياسية أو انتخابية مستقرة وفاعلة في بيئة تتعرض فيها فئات واسعة من المجتمع للعنف النفسي والجسدي. فالعنف ضد النساء، ليس مجرد “ملف حقوقي ثانوي” يمكن تأجيله إلى حين تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي، بل يمثل أحد العوامل التي قد تعيق هذا الاستقرار.

ولذلك قد تظل أي عملية سياسية تتجاهل الجذور الاجتماعية والنفسية للعنف وآليات التنفيس التي قد تُوجَّه نحو النساء، محدودة القدرة على تحقيق استقرار حقيقي؛ إذ يصعب بناء دولة القانون والمؤسسات في ظل غياب الأمان النفسي والاجتماعي لمواطنيها.

Share This Article

منشورات ذات صلة

تجددت في يفرن احتجاجات مواطنين على خلفية قيام إحدى الشركات بالتخلص من نفايات نفطية في منطقة وادي الأثل،…

يسلط اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي يصادف 10 أكتوبر، الضوء على تأثيرات النزاعات والتوترات المتواصلة على الشخصية الليبية،…

تعود إلى الواجهة المادة 424 من قانون العقوبات الليبي، والتي تتيح للجاني في جريمة الاغتصاب الإفلات من العقاب…

لا يُقاس عمق الأزمة السياسية في المجتمعات المأزومة بحجم الانسداد في أروقة الحكم أو تبعثر المفاوضات بين الفرقاء…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.