دروج Drooj

تحت رمال الصحراء الليبية: عالم اختفى قبل 39 مليون سنة

لو وقف أحد اليوم في قلب حوض سرت، فلن يرى أكثر من رمال تمتد حتى الأفق وهضاب صخرية تبدو وكأنها لم تعرف سوى الجفاف. غير أن هذا المشهد يخفي قصة مختلفة تمامًا. فقبل نحو 39 مليون سنة، كانت هذه الأرض تعبرها أنهار تصب في البحر، وتنتشر فيها أراضٍ رطبة وغابات تؤوي كائنات اختفى معظمها منذ زمن بعيد. وما بقي من ذلك العالم لم تحفظه الذاكرة البشرية، بل احتفظت به الصخور التي تراكمت طبقة فوق أخرى حتى أصبحت سجلًا يروي تاريخ المكان.

ظل هذا السجل صامتًا لعشرات ملايين السنين، إلى أن أعاد اكتشاف أُعلن عنه في يونيو 2026 لفت الأنظار إليه من جديد. فقد أعلن فريق ليبي فرنسي اكتشاف جنس ونوع جديد من الرئيسيات الأحفورية في موقع دور الطلح جنوب حوض سرت، أطلق عليه اسم Saharapithecus salemi أو «صحرابيثيكوس سالمي». واختار الباحثون أن يحمل النوع اسم «سالمي» تكريمًا للبروفيسور مصطفى جمعة سالم، تقديرًا لإسهاماته في دراسة الأحواض الرسوبية الليبية وتوثيقها. ولم تقتصر قيمة الاكتشاف على إضافة اسم جديد إلى سجل الأحافير، بل أعاد الاهتمام بموقع يكشف، منذ عقود، فصولًا متتابعة من تاريخ طبيعي ظل مدفونًا تحت الرمال.

ولم يأتِ الاهتمام بدور الطلح بسبب هذا الاكتشاف وحده. فمنذ سنوات طويلة، يعد الموقع من أغنى مواقع الأحافير في شمال إفريقيا، ليس لكثرة ما عُثر فيه من بقايا الكائنات، بل لأن الرواسب حفظت تلك البقايا في سياقها الطبيعي. ولهذا لم يكتفِ الباحثون بالتعرف إلى الكائنات التي عاشت هناك، بل تمكنوا أيضًا من فهم البيئة التي احتضنتها، وهو ما جعل الموقع أشبه بأرشيف مفتوح يمكن قراءة تاريخه صفحة بعد أخرى.

غير أن قراءة هذا الأرشيف لم تبدأ بالأحافير، بل بالصخور نفسها. ففي أواخر خمسينيات القرن الماضي، قادت أعمال استكشاف النفط الجيولوجيين إلى دراسة طبقات حوض سرت لمعرفة أعمارها وكيفية تشكلها. وبين العينات التي جمعوها ظهرت أحافير مجهرية تعرف بالفورامينيفرا، وهي كائنات بحرية دقيقة يعتمد عليها الجيولوجيون لتحديد عمر الصخور والبيئات التي ترسبت فيها. وكانت هذه أول إشارة علمية إلى أن المنطقة عرفت في الماضي ظروفًا تختلف جذريًا عن صورتها الحالية.

ومع اتساع أعمال المسح، بدأت الصورة تكتمل. فقد عُثر على أخشاب متحجرة، وبقايا نباتات، وأحافير لثدييات وأسماك وزواحف، كما كشفت الرواسب عن تراكيب لا تتشكل إلا في الأماكن التي تلتقي فيها الأنهار بالبحر. ولم يكن أي دليل منها كافيًا وحده، لكن اجتماعها رسم مشهدًا متماسكًا لبيئة كانت المياه فيها العنصر الذي يحدد شكل الحياة. كانت هناك مجاري مائية، ومصبات ساحلية، وغطاء نباتي وفر الغذاء والمأوى، وفسحة واسعة للتنوع الحيوي لا يشبه ما تعرفه الصحراء اليوم.

وبفضل طبيعة الترسيب السريع في دور الطلح، حُفظت تلك الشواهد بدرجة استثنائية. وعلى امتداد عقود من الدراسة، خرجت من الموقع آلاف العينات التي أسهمت في فهم تلك البيئة القديمة، لكن عيّنتين صغيرتين كانتا كفيلتين بفتح فصل جديد في القصة. فقد استخرج الباحثون ضرسين لا يتجاوز حجمهما بضعة مليمترات، وبعد فحصهما ومقارنتهما بأحافير الرئيسيات المعروفة من إفريقيا وآسيا، ظهر أنهما لا ينتميان إلى أي جنس سبق وصفه. وعلى هذا الأساس أعلن الفريق اكتشاف جنس ونوع جديدين.

وقد يبدو غريبًا أن يقود سنان صغيران إلى نتيجة بهذا الحجم، لكن هذا أمر مألوف في علم الأحافير. فأسنان الثدييات من أكثر الأجزاء مقاومة لعوامل الزمن، كما تحتفظ بخصائص تشريحية تكفي في كثير من الأحيان للتمييز بين الأنواع. ولهذا يستطيع ضرس واحد أحيانًا أن يضيف سطرًا جديدًا إلى تاريخ مجموعة كاملة من الكائنات المنقرضة.

ولا يقف معنى هذا الاكتشاف عند حدود التسمية. فهو يضيف قطعة جديدة إلى مرحلة ما تزال شواهدها قليلة في إفريقيا، ويمنح الباحثين دليلًا إضافيًا على أن تنوع الرئيسيات في تلك الحقبة كان أوسع مما تكشفه الاكتشافات المعروفة حتى الآن. وتزداد قيمة هذه النتيجة عندما توضع إلى جانب البيئة التي أعادت طبقات دور الطلح رسمها. فوجود الرئيسيات لا ينفصل عن وجود الماء والغطاء النباتي، وعن مناخ كان يسمح بانتشار الحياة في هذه المنطقة على نحو مختلف تمامًا. وعندما تُقرأ الأحافير مع الرواسب، تصبح النتيجة أوضح: شمال إفريقيا لم يكن على هذه الصورة دائمًا، بل مرّ بتحولات طويلة غيرت وجهه تدريجيًا، حتى انحسر الماء وتراجعت الغابات وتوسعت المناطق الجافة.

ولهذا تتجاوز أهمية دور الطلح حدود كونه موقعًا أحفوريًا. فهو يقدم واحدة من أوضح الشواهد على أن تاريخ ليبيا الطبيعي أعمق وأكثر تنوعًا مما توحي به تضاريسها الحالية. وحوض سرت، المعروف اليوم بوصفه قلب صناعة النفط في البلاد، يخفي في طبقاته سجلًا آخر لا يقل قيمة، يوثق تحولات كبرى شهدتها الأرض، ويمنح الباحثين فرصة لفهم جانب أساسي من تاريخ الحياة في شمال إفريقيا.

وحين ينظر المرء اليوم إلى اتساع الصحراء الليبية، يصعب أن يتخيل أن هذه الأرض كانت يومًا موطنًا للأنهار والغابات وكائنات اندثرت منذ ملايين السنين. لكن الصخور لا تحفظ الثروات الطبيعية وحدها، بل تحتفظ أيضًا بذاكرة الأرض. وكل اكتشاف جديد من دور الطلح لا يضيف اسمًا إلى قائمة الأحافير فقط، بل يكشف سطرًا آخر من قصة لم تنته بعد.

Share This Article

منشورات ذات صلة

لا شك أن الفن الشعبي في برقة يُعد جزءًا من الذاكرة الثقافية للمجتمع، فقد نشأ مع تطور الإنسان…

لو وقف أحد اليوم في قلب حوض سرت، فلن يرى أكثر من رمال تمتد حتى الأفق وهضاب صخرية…

على كرسي بلاستيكي في الزاوية القصية من مقهى "الأورورا"، يجلس محمد كل مساء على طاولة صغيرة. غالبًا ما…

تحكم معايير النوع الاجتماعي عددًا لا بأس به من الوظائف في ليبيا، ويصعب في كثير من الأحيان اختراق…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.