دروج Drooj

هوس “السحر” والقضاء على تراث ثقافيّ نادر

قد تكون ليبيا الدولة الوحيدة في العالم، التي تعترف بالسحر قانونيًا كقوة خارقة، وترسل موظفين رسميين لمكافحة العفاريت والجنيّات، نعم حتى السعودية وأفغانستان وزيمبابوي والهند، الدول التي ارتبطت بهذه الظاهرة في أذهاننا، لم تصل إلى درجة الجنون التي وصلت إليها الدولة الليبية.

يطوف موظفون رسميون بين القبور والجبّانات بشعاراتهم الرسمية وجلابيبهم باحثين عن تعويذات مزعومة، إلى جانب فتح المجال “للمتطوعين” بحسب نظام وزارة الأوقاف، وهي دعوة مفتوحة لكل “ربّاشي القبور” للعبث.

وقد أثارت صور أعيد تداولها مؤخرًا، ونشرها رئيس مركز الدراسات الأمازيغية، مجموعة من “مطاردي العفاريت” وهم يدمّرون بالتكسير والمحو ورشّ المياه قطعًا أثرية هامة، تمثلت في شواهد قبور إسلامية قديمة كتبت بحروف التيفيناغ، وبعبارات أمازيغية تسجّل أسماء المتوفّين.

لكن هؤلاء بطبيعة الحال لا يفهمون تلك الكتابة، وإذا لم يفهموا شيئًا فإنه بالتأكيد طلاسم وسحر، خصوصًا أنه وجد في مقبرة! وبهذا التسطيح والبساطة دمّر هؤلاء عددًا من الآثار الليبية التي أصبحت نادرة، والتي توضح استيعاب الأمازيغ والطوارق خصوصًا للثقافة الإسلامية، واستمرارية الأنماط الجنائزية لشواهد القبور عبر حقب تاريخية مختلفة.

واستنكر رئيس المركز الليبي للدراسات الأمازيغية، إيهاب قنان، قائلًا: أي مأساة أكبر من أن يتحول إرثنا إلى “طلاسم”، ويُدمّر في وطنه؟

مضيفا أن النقشية تبدأ بجملة: ⵏⴾ︰”و نك” وتعني “هذا أنا” في الأمازيغية، وهي صيغة كلاسيكية شائعة بالنقوش الصحراوية للتعريف بالشخص الذي خلّد اسمه أو ذكراه.

المشكلة هنا لا تتعلق بحجر واحد أو شاهد قبر واحد، بل بمنهج متكامل في التعامل مع التراث، كل ما هو مجهول يعُامل باعتباره مشبوهًا، وكل كتابة غير مفهومة تصبح “طلسما” سحريًا، وكل أثر خارج المعرفة الضيقة للقائمين على هذه الحملات يمكن أن يتحول إلى هدف للمحو والتكسير. والخطر أن هذا النوع من الجهل لم يعد تصرفًا فرديًا عابرًا، بل أصبح يُمارس تحت غطاء رسمي وشعار مؤسسي، في بلد ما تزال أجزاء واسعة من تاريخه الصحراوي والأمازيغي والإسلامي غير موثقة أصلًا.

وبعد جولة من مثل هذا التدمير والعبث، يعود هؤلاء ليس ليتم التحقيق معهم، بل ليتلقّوا مكافآت ومرتبات ومزايا على مطاردتهم للعفاريت الوهمية، وإبطال مفعول الطلاسم.. التي قد تكون مجرد اسم بلغة لا يفهمونها.

ليبيا بلد الفرص التي لا تصدق، حتى “الجهل والتدمير” فيها يعد مهارةً من شأنها أن تؤهلك لوظيفة مجزية مع سيارة حديثة وبدلات سفر ومبيت، بمهمة واحدة.. ابحث عن عفاريت وجنّيات.

Share This Article

منشورات ذات صلة

كان عمر طفلي ثمانية عشر شهرًا فقط عندما اكتشفت أن هناك شيئًا ما ليس على ما يرام. وبعد…

تجددت في يفرن احتجاجات مواطنين على خلفية قيام إحدى الشركات بالتخلص من نفايات نفطية في منطقة وادي الأثل،…

يسلط اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي يصادف 10 أكتوبر، الضوء على تأثيرات النزاعات والتوترات المتواصلة على الشخصية الليبية،…

تعود إلى الواجهة المادة 424 من قانون العقوبات الليبي، والتي تتيح للجاني في جريمة الاغتصاب الإفلات من العقاب…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.