دروج Drooj

“طقوس الإذلال”.. أنا كذلك قلقٌ بشأن الهجرة

أنا كذلك قلق بشأن ملف الهجرة؛ قلق بشأن كرامة الإنسان وحياته فوق أراضينا، وقلق بشأن دفع ليبيا -بلدي- لفاتورة تسلّط واستيلاء أوروبا على بلدان العابرين منها، قلق بشأن المساومات السياسية التي تلعبها الأطراف الليبية القذرة مع الحكومات الأوروبية المتواطئة، والقذرة حداثويًا هي الأخرى، لتثبّت الأطراف الليبية نفسها كأمر واقع في ليبيا -بلدي، وقلق كذلك من التطبيع مع العنف والوحشية إلى حدّ لا رجعة منه في المجتمع الليبي -مجتمعي.

ورغم كل هذا القلق، لم أستطع يومًا تفسير أو استيعاب هذا الإمعان في طقوس الإذلال؛ إذلالٌ بلذّة خاصة لا تعبّر عن غضب أو خوفٍ طارئ من المهاجر أو اللاجئ، بل عن سلوك مرضِيٍّ قديم؛ خصلة ساديّة تخصّ مقترفيها وداعميهم على السوشال ميديا.

“كول ورق الشجر هذا يا عـ#ـد”، يمسك أحدهم بشاب سوداني صغير، يشتم أمّه بأقذر الألفاظ، ويأمره بأكل ورق الشجر، ثم يطلب من صديقه أن يضربه بالعصا! يردد المعتدي شعار “ليبيا لليبيين”، بينما يضرب ويشتم. لم يملك المسكين ما يردّ به الإهانة عن نفسه.. أكلَ الورق. ردّد الشتائم عن نفسه. ووصف والدته بالقـ#*ة كما طُلب منه. تؤلمني الشّهادة على هذا القهر، وحق الله.

يرتدي الشاب السوداني قميصًا أبيضًا، ناصعًا ومكويًا؛ تخيّلتُه وهو يحضّر نفسه للخروج، ويقول في صدره: سأمنح نفسي يومًا لطيفًا، أرتدي أفضل ملابسي، أتمشّى في الشوارع بجوار الناس، وأشرب بعض القهوة، وكأنّ الحياة حلوة.. سأتظاهر بأنّ الدنيا حلوة.

ذكرٌ آخر، طويل عريض “امصنّع امّنع”، يخاطب لاجئًا سودانيًا في عمر والده، لا بل في عمر جدّه، “شايب كبير” يفترش الأرض، لكنّه اختار أن يُهينه، وفوق ذا أن يصور فعلته وهو يذلّ شيبته ويلومه على ذنب “الوجود في ليبيا”. لم يملك العجوز إلا أن يرد أذاه بما تبقى عنده من حسن كلام، وربما مر عليه شريط ذكريات حياته كلها.

لطالما كان -مجتمعي- الذي أعرفه مثالًا في توقير الشيبة واحترام الكبر. ومنذ متى صارت الوطنيّة “إذلالًا” وحب البلد “قهرًا” للضعيف؟

والأخطر أن هذا السلوك أخذ يتطبّع شيئًا فشيئًا بين مختلف طبقات المجتمع، بل بدأ ينتقل إلى أطفاله ومراهقيه، وقد شاهدنا جميعًا ذلك المقطع الذي يبطح فيه مراهقون طفلًا مهاجرًا أرضًا، وسط ضحكات السخرية والعنصرية والانتشاء.

هل نحن مستعدون لمواجهة جيل من الوحوش المشوهين إنسانيًا؟

ما من ريب في أن ملف الهجرة وتجمع المهاجرين بأعداد غير مسبوقة قضية كبيرة تثقل كاهل البلد. تحدٍّ هائل يواجه ليبيا ويتضخم كل يوم. قضية يتداخل فيها الاقتصادي بالسياسي بالأمني، تتواطئ فيها أطراف حاكمة في ليبيا مع أطراف متحكّمة في أوروبا، المهاجر حلقتها الأضعف، بينما الحكومات في دول المصدر والوجهة والعبور، والمليشيات والمافيات التابعة لها، وشبكات الاتجار بالبشر العالمية هي طرفها المتحكم!

وبينما يبدو صوت الوطنيين الجدد مرتفعًا وأيديهم طويلة في وجوه المستضعفين، فإنهم يتحولون لحِملان دبلوماسية في وجه سعادة السفير، وسيادة الأفندي، ومعالي الوزير، والحاج ربي يحفظه؛ ملوك التهريب.. بشرًا وحجرًا ونفطًا.

“الوطنيّة، هي الملاذ الأخير للأوغاد”.. صامويل جونسون

Share This Article

منشورات ذات صلة

كان عمر طفلي ثمانية عشر شهرًا فقط عندما اكتشفت أن هناك شيئًا ما ليس على ما يرام. وبعد…

تجددت في يفرن احتجاجات مواطنين على خلفية قيام إحدى الشركات بالتخلص من نفايات نفطية في منطقة وادي الأثل،…

يسلط اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي يصادف 10 أكتوبر، الضوء على تأثيرات النزاعات والتوترات المتواصلة على الشخصية الليبية،…

تعود إلى الواجهة المادة 424 من قانون العقوبات الليبي، والتي تتيح للجاني في جريمة الاغتصاب الإفلات من العقاب…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.