دروج Drooj

“اللي ما يدير شي، ما يجيه شي”.. ذريعة العنف والإفلات من العقاب

Highlights

‏وُلد مثل “اللي ما يدير شي ما يجيه شي” في الذاكرة الشعبية الليبية كتحذير من التهور، ودعوة إلى تجنّب المشاكل في عهدٍ كانت فيه السلطة مزاجية والخطأ الصغير قد يجرّ كوارث كبيرة. حضر المثل كتعبير عن غريزة بقاء، غير أن ما حدث لاحقًا كان انزلاقًا خطيرًا في المعنى حين صار آلية تُعيد إنتاج الواقع.

‏فقد تحوّل المثل من نصيحة إلى منطق عام يبرّر الصمت ويعيد تعريف العقلانية باعتبارها انسحابًا دائمًا من المجال العام. لقد صار عدم الفعل فضيلة، وبات تدخل الفرد في قضية مجتمعية يُعدّ تهورًا، وأصبحت المساءلة، وحتى السؤال، عبئًا أخلاقيًا. فحين يُقال عن ضحية عنف أو قمع: “أكيد دار/ت حاجة”، لا يكون المثل تفسيرًا بقدر ما يحضر كإدانة جاهزة تُسقِط المسؤولية عن السلطة وتعيدها كاملة إلى الفرد. فيتحوّل الضحية بذلك إلى متّهم، والمعتدي إلى نتيجة طبيعية لسوء تصرّف سابق. وبالتالي يُعاد تأويل التواطؤ باعتباره حسن تدبير.

‏منح هذا المنطق السلطة والمجتمع معًا مساحة واسعة للإعفاء، فتحولت هذه الأنماط تدريجيًا إلى عادات مستقرة جعلت الصمت ممارسة مشتركة ومحصّنة من المجتمع أولاً قبل حتى السلطة. والنتيجة الطبيعية كانت انحسار العدالة من كونها منظومة قانونية، إلى مفهوم أخلاقي في الوعي العام، تضعف قدرتها على إثارة الغضب أو الشعور بالتضامن أو إنتاج أي إحساس جمعي بالإنصاف.

‏لهذا يتقدّم صاحب النفوذ في موقع المسلَّمات خارج أي مساءلة فعلية، بينما يُدفع الضعيف إلى دائرة الشرح والتبرير، ومطالبًا بتفسير حضوره في المكان الخطأ وكشف دوافع كلامه وتبرير خروجه عن قاعدة “اللي ما يدير شي”. يُقاس السلوك إثر ذلك بميزان القوة، وتُفصَل المسؤولية عمن يملكها لتُلصَق بمن يتحمّل نتائجها. لقد ترسّخ المثل كعقيدة اجتماعية تنظّم توزيع الذنب، وتُعيد إنتاج العنف في صورته اليومية التي نراها ونعيشها اليوم، وتمنحه شرعية أخلاقية جاهزة تسبقه وترافقه، حتى غدا العنف عاديًا، وليس حادثة طارئة تستدعي الوقوف عندها.

‏مراجعة هذا المثل اليوم هي محاولة لاستعادة معناه الأول كدعوة إلى التبصّر. فالحذر يمكن أن يكون وعيًا وحدودًا ومسؤولية، لكن المشكلة تبدأ حين يصير صمتًا دائمًا واختفاءً عن المجال العام والمطالبة المشروعة بالمحاسبة. فالحذر ليس بالضرورة يعني الصمت؛ أي ألا يتحول “اللي ما يدير شي” شريكًا في كل ما “يجينا”.

Share This Article

منشورات ذات صلة

كان عمر طفلي ثمانية عشر شهرًا فقط عندما اكتشفت أن هناك شيئًا ما ليس على ما يرام. وبعد…

تجددت في يفرن احتجاجات مواطنين على خلفية قيام إحدى الشركات بالتخلص من نفايات نفطية في منطقة وادي الأثل،…

يسلط اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي يصادف 10 أكتوبر، الضوء على تأثيرات النزاعات والتوترات المتواصلة على الشخصية الليبية،…

تعود إلى الواجهة المادة 424 من قانون العقوبات الليبي، والتي تتيح للجاني في جريمة الاغتصاب الإفلات من العقاب…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.