في المتحف الوطني للآثار بمدينة لايدن الهولندية، توجد اليوم مجموعة فريدة من الآثار القادمة من ليبيا: أوانٍ ومصابيح وتمثيلات “تيراكوتا” وقطع زجاجية ونقوش وعملات وغيرها، بعضها يعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد.. لكن، كيف قطعت هذه الآثار الطريق من ليبيا إلى هولندا؟
القصة تبدأ قبل نحو مئتي عام، مع رجل لم يكن عالم آثار، بل “قنصلًا هولنديا”، بين عامي 1827 و1833 أواخر العهد القرمانلي، مثّل “جاك كليفورد فان بروجل” بلاده في طرابلس، وخلال إقامته تحول شغفه بالآثار إلى نشاط واسع في الجمع والحفر، فزار لبدة الكبرى وطلميثة ودرنة وشحات وغيرها، وأجرى عمليات تنقيب وجمع لم تكن تخضع بالطبع لمعايير علمية، ويذكر الكتاب المستند إلى مذكرات أسرته أنه كان يستغل وصول السفن، وخاصة السفن الحربية الهولندية، لإرسال صناديق من المقتنيات إلى بلاده خفية دون علم السلطات.
وعندما وصلت مجموعاته إلى هولندا، بدا من المثير أن عالم الآثار الهولندي “كاسبار روفنس” انتقدها بشدة آن ذاك، إذ رأى أن اقتطاع كثير من المنحوتات والقطع من المواقع قد تم بطريقة سيئة، ودون توثيق للمباني التي تنتمي إليها، وأن هذا يفقدها جزءًا كبيرًا من قيمتها العلمية.
لكن فان بروجل لم يتوقف؛ فالتقرير السنوي الرسمي لمتحف لايدن لعام 1838 يسجل أنه جمع خلال حفرياته أكثر من 200 قطعة أثرية، بينها نحو 150 إناء، والمتحف يشكره صراحة على المجموعة التي قدمها إليه. بعض هذه القطع يمكن مشاهدتها اليوم في قاعات المتحف، من بينها إناء ليكيثوس يوناني مزخرف، مؤرخ بنحو 490–480 قبل الميلاد، كما أن جزءًا من مجموعته مخزّن في مستودعات المتحف الهولندي للآثار.
وجود الآثار الليبية في المتاحف الهولندية ليس حالة استثنائية، فمنذ القرن الثامن عشر، وبصورة أوسع خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وصلت مئات القطع من ليبيا إلى أوروبا عبر مسارات نهب مختلفة، بعثات أثرية، حفريات مرخصة وغير مرخصة، هدايا أو ضغوط دبلوماسية، شراء من السكان وتجارة غير رسمية، اقتسام مكتشفات الحفريات، وأحيانا عبر عمليات جمع ونقل معقدة.
ويكشف تقرير صادر عن الجمعية الأمريكية لأبحاث ما وراء البحار (ASOR) عن نحو 55 متحفًا ومؤسسة خارج ليبيا تحتفظ بآثار ليبية، موزعة على ما لا يقل عن 17 دولة، من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة إلى ألمانيا واليونان وهولندا وروسيا وغيرها.
أما قانونيًا، فالمسألة أكثر تعقيدًا؛ اتفاقية اليونسكو لعام 1970 لم تُصمم لتُطبّق بأثر رجعي، ولذلك لا تشمل تلقائيًا القطع التي خرجت قبل دخولها حيز التنفيذ، وهذا يعني أن مجموعة فان بروجل، مثل أغلب المجموعات الليبية في المتاحف الأوربية، والتي أخذت من ليبيا في القرن التاسع عشر وما قبله، تقع خارج نطاق الاتفاقية، لتصبح مسألة استردادها مرتبطة أكثر بالتفاوض والاتفاقات الثنائية.