في المجتمعات التي تنهار فيها سلطة القانون وتتآكل داخلها المؤسسات الضامنة للأمن أو المعنية به، تصبح الغيبيات والميول التبريرية هي الملاذ الأول للتنصل من المسؤولية الأخلاقية والجنائية. وهو ما نراه اليوم في ليبيا من إسقاط للجرائم الوحشية، خاصة التي تستهدف النساء، على “العوالم الخفية”، وهي آلية دفاعية مجتمعية مريضة لحماية الجناة وتبرئة القتلة علنًا.
منذ أيام، هزت جريمة بشعة منطقة الدريبي غرب طرابلس، بعد أن أقدم شاب على طعن شقيقته عدة طعنات أودت بحياتها، إثر خلاف سطحي عبثي تمثل في رفضها إعداد فنجان قهوة له، بحسب الرواية المتداولة. لكن الفاجعة لم تتوقف عند حدود الدم، بل امتدّت إلى رد الفعل المجتمعي الفج الذي تلاها؛ حيث تبارى رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وتناقل سكان الحي روايات تزعم أن الجاني كان واقعًا تحت تأثير “السحر والجن”، ليتحول القاتل، بقوة الدفع الخرافي، إلى “ضحية للمس”، وتضيع دماء الضحية وسط سيل من التبريرات التي تنحرف بالتعاطف البشري نحو المجرم بدلًا من القصاص منه.
بات الجن هو الذريعة الأكثر رواجًا أمام كل سلوك منحرف يؤذي النساء، والوصفة الجاهزة لإعفاء الضمير الجمعي من عناء مواجهة دوافع العنف الحقيقية. وتأتي جريمة الدريبي ضمن سياق مكرر ومفزع من استهداف النساء في ليبيا من أعمار ومناطق وظروف مختلفة، وكلها جرائم تُرتكب علنًا بأيدي أشخاص أمنوا العقاب، ثم قُيدت أفعالهم ضد “مجهول غيبي” لتبرير العنف.
الواقع يقول إن اللجوء إلى التفسيرات الماورائية ليس مجرد سلوك ساذج، بل هو نتيجة حتمية لبيئة تفتقر للشفافية وتتعمد تغييب الأرقام؛ فالجرائم ضد النساء لا تُقيد ضد “مجهول غيبي” عبثًا، بل تتقاطع مع تعمد حجب الحقيقة وتغييب الأرقام. إذ يشير مؤشر بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن 82.7% من المؤشرات والإحصائيات المتعلقة بالعنف ضد المرأة في ليبيا تُصنف رسميًا كـ “بيانات مفقودة” نتيجة الانقسام المؤسسي، والضغوط العائلية، والخوف من الوصمة المجتمعية التي تجبر الضحايا على الصمت أو تدفع لتزييف الدوافع.
هذا الفراغ الإحصائي الرهيب ليس مجرد نقص في الأوراق، بل هو أداة تُغذي مناخًا عامًا وصفته المقررة الخاصة للأمم المتحدة بـ “المستويات المروعة والمنهجية من العنف بجميع أشكاله، وسط حالة من الإفلات التام من العقاب”. وحين تعلن الاستطلاعات الدولية أن 8.2% فقط من النساء يفصحن علنًا عن تعرضهن للعنف المنزلي، فإن الرقم لا يعكس واقعًا آمنًا، بل يعكس حجم الترهيب؛ وهو ما أكده أيضًا تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) حول تفشي “أنماط عنف رقمي منهجي ومتكرر” تستهدف تشويه واستبعاد النساء؛ مما يمنح المنظومة الاجتماعية ثغرات إضافية لترك الضحايا يواجهن مصيرهن دون شبكات حماية قانونية حقيقية.
الحقيقة العارية خلف كل هذا الضجيج الغيبي هي أن الجناة حقيقيون، والسلاح حقيقي، وغياب الدولة حقيقي، والجنوح نحو الخرافة هو الغطاء الفكري الذي يمر عبره المجرمون بسلام، وحين يغيب القانون، يتقدم “الجن” في مخيلة المجتمع ليصبح المحامي الأول عن القتلة.